تاريخ الموقع:

تقع أم الجمال على مقربة من جنوب الحدود السورية, وتعرف مدينة أم الجمال القديمة بصخورها السوداء التي اكسبتها علامة خاصة ميزتها عن غيرها من المواقع. عُثر فيها على العديد من النقوش التي امتد تنوعها إلى خمس لغات منها: العربية, اليونانية, اللاتينية, النبطية والصفوية, والتي أظهرت بدورها غنى وتنوع المجموعات التي سكنتها.

عمل  الصيادون من العصر الحجري القديم في المنطقة على صيد الحيوانات, وتدجينها ورعي قطعانهم في المنطقة. أما بالنسبة للاستيطان الأول للمنطقة فقد سجله البدو العرب حيث جعلوا من أم الجمال نقطة استراحة للقوافل التجارية النبطية خلال تنقلهم عبر طريقهم من البترا إلى دمشق. وعلى الرغم من أن بعض الهياكل الأثرية من هذه الفترة أعيد استخدامها من قِبل سكان لاحقين إلا أنه عثر على بعض النقوش المكتوبة على الأحجار تعود إلى هذه الفترة.

عندما احتلت االقوى الرومانية المنطقة في القرن الثاني ميلادي, قامت بإنشاء تحصينات عسكرية واستخدمت المدينة كجزء من المقاطعة العربية, بالإضافة إلى إنشاء خط من الثكنات العسكرية لحماية المقاطعة الرومانية العربية. ومن الهياكل الأثرية الواضحة في المنطقة الثكنة العسكرية (برج المراقبة), الخزان المائي, بيت الوالي ( سكن الحاكم أو الوالي), القبور وغيرها العديد من الهياكل الأثرية التي ما زالت قائمة حتى يومنا هذا والتي تعود بك إلى فترة حكم دقلونيس وقسطنطين.

ازدهرت المدينة كمركزا بيزنطيا ما بين القرنين الخامس والسادس ميلادي, وصل عدد السكان خلال هذه القرون إلى ستة آلاف نسمة, لينقله إلى مجتمعاً مدنياً. خلال هذه الفترة تحول العديد من السكان إلى الديانة المسيحية وقد أكد هذا وجود خمس عشر كنيسة والعديد من الرموز المسيحية الأخرى في الموقع التي بقيت شاهداً حتى هذا اليوم تعود إلى تلك الفترة. أما بعد الفتح الإسلامي, عاد المجتمع الريفي إلى الازدهار من جديد, وتم تشيد العديد من الأبنية الجديدة في أم الجمال.

في عام 749 ميلادي وقعت المأساة العظمى عندما تعرضت أم الجمال إلى زلزال مدمر, مرافقاً لهذا الزلزال انتشر الوباء والجفاف في المنطقة وتحولت القوة السياسية من دمشق إلى بغداد, كل هذه الأمور أدت بدورها إلى الهجرة التدريجية والتخلي عن المنطقة تماما خلال القرن التاسع ميلادي. مُخلفاً بهذا تراجع مظاهر الحياة الحضرية وعودة الاقتصاد البدائي الذي وجد قبل الاستيطان النبطي.

بعد كل هذه الأحداث المأساوية هُجرت المدينة لأكثر من مئة عام, فبقايا الأبنية البازلتية بقيت مهملة إلى حد كبير عبر الزمن. لكن في بداية القرن العشرين قدم الدروز الهاربين  من الظلم والاضهاد في الحكم من سوريا ولبنان لاستيطان المنطقة وإعادة بناء ما تبقى من أبنية فيها , سكنوا المنطقة إلى أن تم تقسيم الحدود الجديدة بين الأردن وسوريا في عام 1932, بسبب هذا التقسيم أصبح عليهم من الصعب  الوصول إلى جبل الدروز فأجبروا على الرحيل وترك المنطقة. أما بعد رحيل الدروز عادت القبائل البدوية إلى استيطان المنطقة من جديد.

الحفريات وأعمال المحافظة:

أجريت أولى أعمال الاهتمام الأثري في الموقع بواسطة مشروع أم الجمال الذي بدء في أعمال البحث الأثري عام 1972. تم تأسيس المشروع من قبل الدكتور بيرت ديفريس استكمالاً للأعمال الأولى في الموقع من قِبل بعثة "هوارد بيتلر وجامعة برينستون إلى جنوب سوريا" خلال 1905-1909. أما اليوم فإن المشروع يتوجه نحو التعاون بينه وبين شركاء دوليين, باحتواء السكان المحليين, بلدية أم الجمال, دائرة الآثار العامة, وزارة التربية والتعليم, وزراة السياحة والآثار في الأردن, المدارس الأمريكية للبحوث الشرقية, المركز الأمريكي للأبحاث الشرقية .

في عام 2007, اتخذت هذه المجموعة التعاونية نهجاً جديداً من البحث والعمل في الموقع مع استمرارية دمج الأكاديمين والآثاريين ضمن أعمال المحافظة الفيزيائية, الحياة اليومية للمجتمع الحالي والإرث الثقافي, التنمية المستدامة,  والنشر العام للنتائج بواسطة المناهج التعليمية وكذلك في الموقع والمتاحف الافتراضية داخل أم الجمال. وضم هذا العمل الكشف عن النقوش, الخزف, والبقايا البشرية, والعمارة. بدأ المشروع نهجا جديداً اخر في حزيران من عام  2015 ساعياً فيه إلى إشراك المجتمع المحلي والمشاريع الأثرية الأخرى في الحفاظ على أم الجمال وذلك من خلال التعاون مع مشروع "استدامة الإرث الثقافي بمشاركة المجتمعات المحلية الممول من الوكالية الأمريكية الدولية للتنمية".

يعمل مشروع "استدامة الإرث الثقافي بمشاركة المجتمعات المحلية الممول من الوكالية الأمريكية الدولية للتنمية"  على خلق اقتصاد سياحي محلي, يسعى فيه إلى تقوية الدور المجتمعي في المنطقة من خلال تحسين تقديم وتفسير الموقع للسكان والأدلاء والزوار. أما حالياً يعمل المشروع على تدريب السكان الجدد لأم الجمال من أجل خدمة الموقع كمتخصصين في تنمية استدامة الموقع.
وقد ركزت أعمال المشروع الأخرى على حفظ بوابة كومودس الواقعة على الجانب الغربي من الموقع. علماً أن هذا المدخل يقع بالقرب من بلدية أم الجمال ضمن مخطط مشروع إحياء المدينة, والذي سيستضيف مطاعم محلية, حرفيات, وغيرها من الأعمال الأخرى.

المجتمع المضيف:

أقامت قبيلة المساعيد موطناً لها في الموقع منذ أوائل الثلاثينات من القرن الماضي وقد عملت على رعي الحيوانات في البقايا الأثرية المحطمة داخل الموقع. لم يقم المساعيد بإعادة استخدام الأبنية المتواجدة فقط بل أقاموا مدينة جديدة حول المدينة القديمة لأم الجمال, أخذت تنمو في استمرار حتى الخمسينات من القرن الماضي (1950). أما في عام 1972 ومن أجل الحفاظ على البقايا الأثرية من الموقع بدأت دائرة الآثار العامة تركيز جهودها نحو تسييج المنطقة وإخراج أهل المنطقة خارج مدينة أم الجمال القديمة لتشكيل المجتمع المتواجد حالياً.

يبلغ عدد السكان الحالين في أم الجمال حوالي 6500 نسمة. لكن لسوء الحظ فإن 45% من سكان أم الجمال يعيشون في حالة من الفقر. بالإضافة إلى نسبة الفقر هذه فإن أم الجمال تواجه مشكلة أخرى تأثر عليها بصورة مباشرة; ألا وهي تدفق أعداد كبيرة من السوريين إلى مخيم الزعتري -أكبر مخيم للاجئين في الأردن الذي يقع قريبا جدا من أم الجمال- وعلى الرغم من كل هذه التحديات ومؤشرات الفقر الاقتصادي, إلا أن المنطقة ما زالت موطنا لمجتمع ينبض بالحياة.

ومن أهم المكونات المهمة  التي تعمل في أم الجمال نجد الجمعية التعاونية النسائية, فهي تشكل جزءاً مهماً من المجتمع المضيف في أم الجمال وتعمل على توفير فرص التدريب والمشاركة وفرص القيادة في مجالات إنتاج الحرف اليدوية, الطعام وحسن الضيافة, السياحة الثقافية, حماية وصيانة الموقع وتطوير الأعمال.

بالإضافة إلى ذلك, يعمل سكان أم الجمال سوياً في الجمعية التعاونية الجوهرة السوداء من أجل تحقيق هدفها الرئيسي ألا وهو توفير وتحسين مجتمع مرفه; من خلال المحافظة على الإرث الثقافي والبيئة الخاصة به من خلال برامج الاستدامة والأجيال القادمة.

مجتمع أم الجمال مرتبط ارتباطا وثيقا في الموقع, لذلك فإن المشروع فخور جدا في العمل مع آثاريين وأعضاء المجتمع لتقديم المدينة وتاريخ الموقع بهذا القدر من الرقي. لذلك سيستمر استكشاف موقع أم الجمال بمزيد من المسؤولية والاستدامة والتنمية المجتمعية برفقة المجتمع ذاته.

مدير المشروع: بيرت ديفريس