تاريخ الموقع:

تقع البترا وسط الوديان الرملية والمنحدرات الوعرة الواقعة جنوب الأردن, وقد بناها الأنباط كعاصمة لهم منذ أكثر من ألفين عام. سكان هذه المملكة التي امتدت من دمشق حتى السعودية (المعروفة بهذا الاسم في هذه الأيام) كانوا من تجار اللبان والمر من البدو. فقد حكم الأنباط المنطقة لعدة عقود قبل أن ينتهي بها المطاف وتضمها الإمبروطورية الرومانية إليها في عام 106 ميلادي. 

يشكل الوادي الذي يقع في قلب العاصمة القديمة وعلى بعد نصف ميل من شارع الأعمدة, شريان الحياة للمدينة لإحاطته بالمؤسسات والنصب الأثرية التي تسهل الحياة اليومية في هذه المدينة الصاخبة. بالإضافة إلى أنه يحتوي على بقايا أثرية مثل الحمامات الفخمة والحدائق, النافورة, وقاعة الاستقبال الملكية الكبرى.

في نهاية الشارع الرئيسي في البترا, ضمن الربع المقدس ستتمكن من رؤية اثنين من المعابد الكبيرة. الأول قصر البنت, وهو في حالة حفظ جيدة وفيه تمثال كبير الآلهة النطبية إله ذو الشرى. أما الثاني فهو معبد الأسود المجنحة الذي بني على شرف الإله ذو العزى.

يعتبر معبد الأسود المجنحة أكبر مذبح في المنطقة, فهو يضم درج عريض يرتبط بشارع محاط بالأعمدة وغرفة داخلية للعبادة وقدس الأقداس. أغلب الأعمدة في هذا المعبد  تحمل تيجانها الطراز الكورنثي في تصميمها, فهناك اثنا عشر عامود يحيط بالمنصة والمزخرفة بتيجان الأسود النادرة التي منحت هذا المعبد اسمه.

كان التركيز الروحي للمعبد يقوم على تقديس  حجر مزخرف يمثل الإله على شكل الوقوف، وهذا الحجر يقف على قمة المنصة وحوله يقوم الكهنة والمصلين بالطواف في موكب طقسي. أما الجدران والأعمدة الداخلية للحرم مطلية بألوان لامعة ومزينة بنباتات ورمزيات, وقد احتوت على تجاويف محاطة بها ترمز إلى الآلهة. يعتقد أن هذا البناء شيد بواسطة الأنباط خلال القرن الأول بعد الميلاد, وقد استمر في ازدهاره حتى الفترة الرومانية ولكنه دمر في عام 363 بعد الميلاد عنما ضرب البترا زلزال مدمر.

التنقيبات وأعمال المحافظة:

ادرك المستكشفون والآثريون الغرب موقع المعبد في مطلع القرن التاسع عشر, وعلى الرغم من هذا إلا أن فهم وظيفة وطببيعة المعبد بقيت لغز حتى عام  1970 ميلادي عندما قدم فيليب هاموند قائد البعثة الأمريكية للبترا واستكشف الموقع. خلال هذه الفترة سمي باسم الأسود المجنحة وذلك نسبة إلى تماثيل الأسود التي كانت تعلو أعمدة الحرم الداخلي عند اكتشافه.

لكن لسوء الحظ أعضاء البعثة لم يحافظوا إطلاقاً على المعبد عند اكتشافهم له. فقد تعرض المعبد إلى عوامل الدمار الطبيعية كالرياح والأمطار وعوامل التجوية بالإضافة إلى الإشعاع الشمسي, وتبلور الأملاح, والتخريب بسبب العديد من العوامل الأخرى. في عام 2009 أصبح المعبد غير واضح المعالم ولن يبقى لفترة اطول طالما لم يتم إتخاذ أي إجراء للحفاظ على الموقع.

لذلك أنشأ في ذات السنة كل من (المركز الأمريكي للبحوث الشرقية, دائرة الآثار العامة, محمية البترا الأثرية) مبادرة إدارة مصادر الإرث الثقافي في معبد الأسود المجنحة; لتضع هذه المبادرة هدفاً أساسيا تعمل عليه ألا وهو الحفاظ قدر الإمكان على هذا المعبد. كرس المشروع نهجا كاملا لحماية المعبد, من خلال العمل بصورة صديقة للبيئة, وتسليط الضوء على الإمكانيات السياحية وتقديمها, مشاركة المعلومات,  تطوير وتنظيم أفضل الممارسات لإدارة الإرث بإعطاء الأولوية إلى إشراك المجتمع المحلي.

وبالعمل على الهدف السابق ذكره وبالتطبيق السليم لمنهجية هذا الهدف حقق مشروع معبد الأسود المجنحة نجاحاً عظيماً من خلال القاعدة المجتمعية التي أسسها من أجل تنمية الموقع. فمن خلال البرامج التدريبية في -توثيق وإدارة الموقع والمسح الأثري والمحافظة وتقديم الموقع-, خلق المشروع أكثر من 800 فرصة عمل وتدريب إلى أكثر من 400 عضوا من المجتمع المضيف في المهارات المهنية التي لها علاقة في إدارة وحفظ الموقع. مع العلم أن أكثر من 60% من المتدربين هم نساء بينما 75% منهم شبابا تحت سن الثلاثون.

دعم المشروع:

بدأت أعمال المحافظة في الموقع منذ تشرين الثاني من عام 2015 من قِبل مشروع "استدامة الإرث الثقافي بمشاركة المجتمعات المحلية الممول من الوكالة الأمريكية الدولية للتنمية" وما زالت الأعمال مستمرة حتى يومنا هذا. في بادئ الأمر عمل المشروع على تقديم الدعم المالي غير المربح لأعضاء فريق مشروع معبد الأسود المجنحة وسيلا, من أجل تنفيذ المهمات الحساسة للأجزاء غير الثابتة من المعبد مثل الربع الجنوب غربي من المعبد. فمن خلال هذا البرنامج التدريبي في الآثار والمحافظة والتوثيق وحفظ الموقع, سيلا تقدم أكثر من ستون عضواً من مجتمع البترا المضيف وتسعى لجعله يمتلك المهارات المهنية الهامة التي يحتاجها الموقع خدمة في الحفاظ على الإرث الثقافي الذي يمتلكه. يدعم المشروع أيضا تحقيق نتائج مهمة في الموقع منها بناء مسارات جديدة تربط الربع الجنوب الغربي بالأجزاء الأخرى, وإشراك المتدربيين في الحفريات الحساسة لفهم أسباب زوال المعبد في عام 363 ميلادي, وكان لهذا دور أيضا في أعمال المحافظة على الجزء الجنوب غربي قبل أن يتم طمره كاملاً من أجل تحقيق استقرار وأمن الموقع.

المجتمع المضيف:

بما أن متدربين سيلا ينحدرون من أم صيحون -القرية التي أنشت في البيضا للأشخاص المترحيلن خارج البترا بسبب ضم البترا إلى قائمة التراث العالمية في عام 1985- وضع كل من (سيلا ومشروع معبد الأسود المجنحة ) من ضمن أولوياتها توفير الفرص التدريبية لجميع المجتمعات المحيطة بالموقع ومن ضمنها وادي موسى, البيضا, وقرى وادي موسى. معتمدة على تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص في تقديم الفرص من دون التميز بين الجنس والاخر, ومأكدة على الحاجة إلى تأسيس قاعدة ذو خبرة متينة للتوظيف في إدارة مصادر الإرث لعدة مجالات.


الشريك المنفذ: سيلا لتدريب المهني وحماية الإرث الثقافي.

مدراء المشروع: المهندس ايلينا رونزا, الدكتور جلين كوربيت.

أمناء الموقع: إيمان عبدالسلام وأحمد موسى.